الطب النفسي

كيمياء الحب – لماذا نقع في الحب؟!

هل وقعت يوما في الحب؟ هل يمكنك أن تصف هذا الشعور؟  هل فكرت يوماً ما هي حقيقته؟ وهل توقعت أنه شيء يشبه الإدمان؟ صدق أو لا تصدق، لقد كنت على حق! فقد تبين للعلماء أن نفس العملية الكيميائية التي تحدث بالإدمان هي نفسها التي تحدث عندما تقع بالحب. فما هو الحب حقاً؟ وماذا يحدث في أجسادنا حين نحب؟ وما الذي يجذبنا إلى شخص ما في المقام الأول؟

كيمياء الحب - لماذا نقع في الحب؟!

ما هو الحب في رأي الفلاسفة؟

يرى الفلاسفة مثل شوبنهار  أن “الحب يخدعنا حتى نتزاوج وننجب” فيتصور أن الحب ما هو إلا غطاء لرغباتنا الجنسية وصورة خادعة للمتعة الحسية، ويقول كانط أنه خدعة الطبيعة لإتمام الزواج، أما بيرتراند راسل فهو يرى أن الحب هو الحيلة الدفاعية التي يستخدمها الانسان ليحارب أشرس أعدائه “الوحدة “، بينما كان لكيركاجارد رأي آخر حيث ينظر للحب كونه المرحلة الأسمى للتجربة الذاتية.

لماذا نقع في الحب؟

أولاً وبشكل بسيط يمكننا أن نقول:  الحب شعور .. لكن ما هي فائدة الشعور على أي حال؟ إن الوظيفة التطورية للمشاعر هي التحفيز، التحفيز لشيء ما بهدف إحداث نفع أو دفع ضرر. فما هي المنفعة التي يمكن أن تأتينا من شعور مثل الحب أو ما هو الضرر الذي بإمكانه دفعه من وجهة نظر الكيمياء الحيوية؟

إن المواد الكيميائية التي تتسابق في دماغنا عندما نكون في حالة حب تخدم عدة أهداف، والهدف الأساسي هو استمرار النوع.
تلك المواد الكيميائية هي التي تجعلنا في حاجة لتشكيل عائلة وانجاب الأطفال وبمجرد أن ننجب الأطفال، تتغير هذه المواد الكيميائية لتدفعنا إلى البقاء معاً لتربية هؤلاء الأطفال.

لماذا نقع في حب أشخاص بعينهم ؟

إنه القالب الذي نمتلكه داخلنا للشريك المثالي ومواصفاته والذي دُفن في مكان ما في اللاوعي. إنها خريطة الحب تلك التي تقرر أي شخص في هذه الغرفة المزدحمة سيلفت انتباهنا. و يتم تشكيل هذا القالب وفقاً لعدة عوامل:

  • المظهر الخارجي

فقد تكهن العديد من الباحثين أننا نميل إلى أشخاص يذكروننا بوالدينا، حتى أننا أحياناً نميل إلى حذب هؤلاء الذين يذكروننا بأنفسنا. وفي تجربة قام بها ديفيد بيريت – عالم النفس المعرفي – بإجراء تحويل لصور رقمية لوجه الشخص نفسه إلى وجه من الجنس الآخر، ثم طلب من الحاضرين اختيار الصورة التي يجدها كل منهم أكثر جاذبية له. وكانت النتيجة أن اختار الحاضرون دائماً النسخة التي تخص وجوههم ولم يعترفوا قط أنها صورهم هم.

  • الشخصية

مثل المظهر ، فإننا نميل إلى تشكيل تفضيلات لأولئك الذين يذكروننا بوالدينا (أو الآخرين المقربين إلينا خلال الطفولة) بسبب شخصيتهم ، روح دعابتهم ،إلخ.

  • الفيرومونات

كلمة فرمون تعنى في اليونانية “ناقل الإثارة” وفي عالم الحيوان، الفيرومونات هي “رائحة مطبوعة كالبصمة” موجودة في البول أو العرق والتي تعزز السلوك الجنسي وتجذب الجنس الآخر. وتساعد الحيوانات على التعرف على بعضها البعض واختيار شريك مناسب لضمان صحة النسل وإتمام التزاوج.

تم اكتشاف وجود الفيرومونات البشرية في عام 1986. وجدوا هذه المواد الكيميائية في عرق الإنسان، “لا توجد تلك الفيرمونات في الجميع” لكن لا يزال هناك اعتقاد على أن الرائحة جانب مهم في الحب.

لماذا نقع في حب أشخاص بعينهم ؟

نظرية مثلث الحب

ولنخرج قليلاً عن السياق للحديث عن نظرية مثيرة للجدل أسسها روبرت ستينبرج في الثمانينات وهي نظرية “مثلث الحب”
والتي تشير إلى ثلاث سمات أساسية في الحب وهي : الحميمية، الشغف، الالتزام.

فعندما نصبح مراهقين، بعد سن البلوغ مباشرة، يصبح الإستروجين في الإناث والتستوستيرون في الذكور نشطين في أجسادنا للمرة الأولى فتتخلق الرغبة في تجربة “الحب”. وتصبح لدينا الرغبة في الاقتراب من الطرف الآخر، وتلك هي الحميمية.
ومن ثم تصبح لدينا الرغبة بالعلاقة الجنسية والمشاعر العميقة، وهذا هو الشغف.
وحين نتخذ قراراً بالبقاء مع هذا الطرف الآخر وتحمل المسؤولية معاً في مواجهة الحياة، فهذا هو الالتزام.

كيمياء الحب

تحدثنا في البداية عن كون الحب شعور له ارتباط وثيق بالمواد الكيميائية، فما هي هذه المواد؟ هناك الكثير من المواد الكيميائية تتسابق في المخ والجسد عندما نكون في حالة حب.

كمياء الحب: دول الكيمياء الحيوية في الوقوع في الحب

بالطبع، يلعب هرمونا الاستروجين والتستوستيرون دوراً مهما في منطقة الدافع الجنسي، وبدونهم قد لا ندخل أبداً في ساحة الحب. أما بخصوص المواد الأخرى التي تلعب دوراً حيوياً في كيمياء الحب فهي:

الفينيلفيثالين

وهو مركب عضوي يلعب دور الناقل العصبي في الجهاز العصبي المركزي للبشر والكثير من الثدييات. تلك المادة الكيميائية موجودة بشكل طبيعي في الدماغ وتساعد على التركيز والحد من التوتر العصبي وتنظيم المزاج. ولديه القدرة على إطلاق النورأدرينالين، وهو هرمون منبه، يعطي دفعة لمعدل ضربات القلب، وضغط الدم .

إن الشعور بالدوار والمشاعر العالية التي يمر بها المرء خلال اللحظات الحميمية ترجع إلى زيادة تركيز هذا المركب في الدماغ، ويعطي شعور بالسعادة ويزيد من مستوى الراحة لدى الأفراد.

الأدرينالين

وهو هرمون ينتج بشكل رئيسي من الغدة الكظرية في جسم الإنسان، ويتم إنتاجه أيضاً من قبل بعض أجزاء من الجهاز العصبي المركزي. وعندما يبدأ قلبك في السباق حين تلتقي بأحدهم، فهذا بسبب اندفاع الأدرينالين الذي ينتجه جسمك عند الانجذاب إلى شخص ما، وتكون استجابة الجسم الأولية الشعور بالإجهاد، وتسارع ضربات القلب، وجفاف الفم. كما يبطئ جهازك الهضمي فتشعر بالجوع.

الدوبامين

إنه الهرمون المسؤول عن “الإدمان” الذي يشعر به الشخص حين يقع في الحب. يفرز الدوبامين في المخ وينتقل للعديد من المناطق كما يتم إطلاقه أثناء استهلاك المواد المسببة للإدمان مثل النيكوتين والكحول والمخدرات.

وبسبب خصائص الإدمان، فعندما يتم إطلاق الدوبامين أثناء العلاقة الحميمة مع الشريك، يصبح مدمناً عليه. وهذا الهرمون هو المسؤول عن الشعور بالتشبث والغيرة التي نختبرها في الحب. ويعتقد العلماء أن الدوبامين يرتبط بالشعور بالحاجة والترقب.

السيروتونين

السيرتونين ناقل عصبي مسؤول عن إظهار شعورك بالحب. ينتج بشكل رئيسي من الجهاز الهضمي ، وهو منتج ثانوي بيوكيميائي من التريبتوفان. كما وجد في الجهاز العصبي المركزي والصفائح الدموية، إنه الهرمون المسؤول عن فقدان الشهية أحيانا حين نقع بالحب. وهذا الشعور الغريب بتطاير الفراشات في معدتك. إن مستويات السيروتونين تساعدك على فهم العلاقة الحميمة والرومانسية.

فصل النهاية .. أو البداية!

إن كان الأمر منوطاً بمواد كيميائية فماذا عن وقت اختفاء هذا الشعور بالبهجة؟

إن مشاعر الحب العاطفي تفقد قوتها بمرور الوقت. وقد أظهرت الدراسات أن هذا الشعور بالحب يتلاشى بسرعة ويكاد ينتهي بعد سنتين أو ثلاث سنوات. حيث أن المواد الكيميائية المسؤولة عن هذا الشعور (الأدرينالين، الدوبامين، السيروتونين، الفينيلفيثالين) تتضاءل.

فجأة تشعر أن حبيبك لديه بعض الأشياء التي لا يمكنك تقبلها، فتبدأ بالتساؤل عن سبب تغيره. في الواقع، ربما لم يتغير شريكك على الإطلاق؛ أنت فقط الآن أصبحت قادرًا على رؤيته بعقلانية أكثر، وليس من خلال الهرمونات وكيمياء الحب.

ألا يقولون أن الحب أعمى؟ نعم، هو كذلك لأن تلك الهرمونات لا تفعل سوى الاندفاع في الافتتان بالشريك بغض النظر عن ماهيته، وحين ينتهي تبدأ عينك بالإبصار لتتبين كل هذا الذي لم تكن تراه أو كنت تراه لكن تتحاشى النظر إليه فقط.

فكما يقول الرافعي: “ينظر الحب دائماً بعينٍ واحدة؛ فيرى جانباً ويعمى عن جانب، ولا ينظر بعينيه معاً إلا حين يريد أن يتبين طريقه لينصرف”

ولكن في هذه المرحلة من بداية الخروج إلى النور، إما أن تكون العلاقة قوية بما يكفي لتصمد بفعل الروابط الأخرى التي نجحت أنت وشريكك في تكوينها طوال تلك السنوات والتي تصبح كافية وقتها للاستمرار في العلاقة رغم انتهاء الحب لكن بعد استبداله بأشياء أخرى أقوى وأكثر قيمة، أو تنتهي هذه العلاقة.

السابق
تجارب الاقتراب من الموت – ماذا يخبرنا العائدون من الموت؟

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.